الدموع الصامتة - قصيدة الشَّاعِر الدكتور إِحسان الخوري
الشعر 12:00 ص
الدموع الصامتة - قصيدة الشَّاعِر الدكتور إِحسان الخوري ..
الوطن العربى الأسبوعية - القاهرة ..
يَلْتَقِطُ القَمَرُ أَنْفَاسَهُ ..
يُخَفِّفُ الأَلَمَ عَنْ عَاطِفَتِهِ الحَزِينَةِ ..
يَتعمشَقُ عَلَى مَلَامِحِهِ ..
يُقَبِّلُ مَعَاطِفَهُ القَدِيمَةَ ..
يُعَاقِرُ كَأْسَيْنِ مِنْ الخَمرَةِ ..
وَيَسْبَحُ كََكُلِّ الزَّوَارِقِ الحَافِيَاتِ ...
حِكَايَتُهُ دُمُوعٌٍ صَامِتَةٌ..
خِيَارَاتُهُ صَعبَةٌ..
مُحَطَّمَةٌ جِدَّاً ..
جَسَدُهُ مُحَاطٌ بِالرَّحِيلِ ..
هو وَحِيدٌ ..
رُبَّمَا أُمَّهُ مَدفُونَةٌ فِي السَّمَاءِ ..
هُوَ مُتْعَبٌ ..
وَهل مِنْ مُطَارَدَةِ السَّنَوَاتِ البَعِيدَةِ ..؟! طَرِيقُهُ شَرِيطٌ أَزْرَقٌ ..
مَصنُوعٌ بِأَصَابِعِ الخَيَالِ ..
وَلَيْسَ هُنَاكَ مِنْ فُرصَةٍ لِلنَّجَاةِ ..
حَوَافُّهُ بَعضُهَا مَكْسُورٌ ..
يَطفُو مِثْلَ الفَرَاشَةِ ..
عَلَى مِيَاهٍ أزليةٍ يَتَشَبَّثُ ..
هَلْ سَيَرُجُّ أَجنِحَتَهُ وَيَتَشَرَّدُ ..؟
هَلْ سَيَسأَلُ ناطور الكَوَاكِبِ ..؟
هَلْ سَتَكُونُ هُنَاكَ نُقْطَةٌ لِلعُبُورِ ..؟
هَلْ سَيَبْقَى غَرِيباً فِي حَوَارِي الظَّلَامِ ..؟
هَلْ هِيَ فِطنَةُ الفَلْسَفَةِ الإِلَهِيَّة ..؟
وَهَلْ هُوَ مُرَاقَبٌ مِنْ مَلَائِكَةِ النُّورِ ...
أَمْ سَتَتُوهُ الأَسْئِلَةُ فِي شَهِيَّةِ التَّأَمُّلِ ...
الأَهَمُّ أَنْ تَكُونَ مُؤَخَّرَتَهُ آمِنَةً ..
لِيَملِك النَّصِيبَ فِي يَومٍ آخَرٍ ..
يَضَعُ التَّاجَ الأَبَدِيَّ ..
وَيَتَوَهَّجُ فِي المَمَرَّاتِ المُخِيفَةِ ...
الرِّيَاحُ فِي الأَرضِ تَنْتَظِرُ ..
وَالطُّيُورُ تَقِفُ طَوِيلاً ..
رُبَّمَا تُصَفِّقُ تَحتَ ضَوئِهِ ..
أَجْنِحَتُهَا غَيرُ ضَعِيفَةٍ ..
تُحَاوِلُ أَنْ تُبَدِّدَ قَلَقَهَا ..
تَغرِفُ مِنْ سِرِّ الحَيَاةِ ..
لِتَتَلَاشَى أَحجَارُ كلِّ القُبُورِ ...
هَلْ هَكَذَا سَرَقْتَنَي يَا قَمَرُ ..؟
أَنَا مَكْسُورٌ إِلَى قِطَعٍ ..
اِسْمُكَ صَعُبَ جِدَّاً فِي بَطنِي..
وِلَادَةٌ وَاحِدَةٌ لِي لَا تَكْفِي..
أُرِيدُ أَنْ أَتَنَفَّسَ مَرَّةً أَخِيرَةً أَمَامَكَ ..
حَوَاسُّي مَفْقُودَةٌ ..
أُرغَبُ أَنْ أَسْتَسلِمَ لِذَاكِرَتِي ..
وأَحتَرِمُ كلَّ قَوَاعِدِ الظَّلَامِ ...
هَلْ تَتَذَكَّرينني ياسيِّدتي ..؟
هل تتذكَّرينَ قَمرَ الامسِ ..
يَومَ هَمَسَ بِي الحُبُّ الجَامِحُ ..
وَزَحَفَ عَلَى سَرِيرِي ..
قُبلَاتُكِ كَانَتْ أَصغَرَ عُمراً ..
رَغْمَ نُضُوجِهَا البَاكِرِ ...
سيِّدتي ...
أَنا أَدمُعُ فِي سَرِيرِي البَارِدِ ..
أُحَدِّقُ فِي حَوَافِّهِ ..
لِعَلِيَّ أَتَذَوَّقُ صُوَرَ جَسَدِكِ ..
أَغْمَضُ عَيْنَيَّ ..
لِأَرَى رُوحَكِ تَنْعَكِسُ أَمَامَي ..
وأَشْعُرُ طويلاً بِكِ فِي دَاخِلِي ...
سَيِّدَتي ...
إِلَى مَتَى سَيَنْفَلِتُ هَذَياني ..
إِلَى مَتَى سأُسافِرُ فِي حَواسي المُحَلِّقَةِ ..
وَهَلْ سَتَقْبَلُنِي عَرَّافَتَي بَعْدُ ..!
أَيُّ مَكَانٍ سَأَخْتَارُ ..
لِأَكُونَ فِيهِ بَيْنَ ذِرَاعَيْكِ ..
يَدُكِ مَمدُودَةٌ ..
لازِلتُ أَرَاهَا ..
وَعَّيْنَاكِ تُذِيبُ ذَاتِي ..
فأُحاولُ أن أَتَنَفَّسَ رُوحَكِ ..
أَنْبُشَ رَائِحَةَ عِطرِكِ ..
أُدَغْدِغُ ذُنُوبَ النَّبِيذِ ..
وَأَعِضَّ عَلَى أَصَابِعِ الوَلَهِ النَّازِفَةِ ...
سيِّدتي ...
هَلْ لِي بِقُبْلَةٍ أَخِيرَةٍ ..؟
قُبْلَةٌ مِنْ قُبلَاتِكِ البِكْرِ ..
فَأَنَا أَتَلَوَّى بَعِيداً فِي دَاخِلِي ..
جَسَدِي المَخْلُوعُ يَرتَعِشُ ..
فِي نَشْوَةِ الفَوضَى يَنْتَظِرُ ..
بُعدُكِ كَسَّرَنِي كَكَأْسِ النَّبِيذِ ..
وَألقى بِفُؤَادِي على السَرِيرِ المُجَاوِرِ ..
هُوَ هَكَذا جَوْهَرُ حَيَاتِي ..
سَأُغَلِّفُهُ بِدُمُوعِ وِسَادَتِي ..
أَدفَعُهُ إليكِ وَحدَكِ ..
وَأُصَلِّي لِكَيْ أَلتَقِي بِكِ بَعْدَ الأَبَدِ ....


