ماؤكِ حاضرٌ - قصيدة الشاعر : يوسف العلي
الشعر 4:01 م
ماؤكِ حاضرٌ - للشاعر : يوسف العلي ..
الوطن العربى الأسبوعية - القاهرة ..
ماؤكِ حاضرٌ - للشاعر : يوسف العلي
عيناكِ مُلهِمَتايَ ، قلبيَ مُلهَمُ
أذكى الجَمالُ هواهُ فارتَعَشَ الدّمُ
فغَدوتُ يعقوبَ الحَنينِ ففيهِما
من حُسنِ يوسُفِهِ النّصيبُ الأعظَمُ
يتأَخَّرُ الشُّعراءُ عنّي كُلّما
بكِ في القصائدِ عنهُمُ أتَقدَّمُ
فأظَلُّ أتبعُكِ ارتشافاً للنّدى
ويظلُّ يتبعُني ليَرشِفَني هُمُ
أنا صوتُكِ الأنقى وأنتِ فصيحَةٌ
إذْ ليسَ يُغريكِ الصّدى المُتَلَعثِمُ
قالوا : نبيُّ الشِّعرِ ، قلتُ لأنّها
توحي إليَّ بما أقولُ فَأُفحِمُ
ولأنّها في القلبِ أوّلُ عشقِهِ
عرفتْ جَميعُ الأرضِ أنّيَ مُغرَمُ
ولقد ذكرتُكِ والحرائقُ في دَمي
تخبو على أملِ اللّقاءِ وتُضرَمُ
فحلمتُ أنّي في طريقيَ عائدٌ
وإليكِ ليسَ يعودُ مَنْ لا يَحلُمُ
يا قدسُ يا مَهْدَ الحضارةِ والهُدى
رُغْمَ المُدى فيكِ المَدى يترنَّمُ
كُتِبَ الفراقُ عليَّ قبلَ لقائنا
ليظلَّ ينثرُني الحَنينُ وأَنظِمُ
فإذا التقينا كلُّ مُرٍّ سُكَّرٌ
وإذا افترقْنا كلُّ حُلْوٍ عَلقَمُ
ولأنْتِ أمّي في القصيدِ ، وأمُّ مَنْ
في الحربِ والسِّلْمِ المُؤجَّلِ يُتِّموا
أرضَعتِني حتّى كَبُرْتُ وفي دَمي
طفلٌ تعلَّقَ بالحَنانِ ... أيُفطَمُ ؟
يا قدسُ قافُكِ قِبلَةٌ والدّالُ داليةٌ
وسينُكِ للهدايةِ سُلَّمُ
فالعارجونَ إلى السّماءِ ، تَراجَعَتْ
ظُلَمٌ إذِ التَمسوا الضّياءَ فأقدَموا
صَلَّيتُ .. كم صَلَّيتُ ، ماؤكِ حاضرٌ
فعلامَ يُنكرُهُ الّذينَ تيمَّموا ؟
لا يكتمُ الوردُ النّدى فأريجُهُ
بوحُ النّدى ، ونداكِ أنّى يُكتَمُ
والصَّمتُ كم وأَدَ الحقيقةَ طفلةً
وكَم استُبيحَ من الدّماءِ مُحرَّمُ
فلتطعَني قلبَ الظّلامِ بخنجرٍ
صَقَلتْهُ من قلبِ الضّياءِ الأنجُمُ
ولتنظُري شبَحَ الحصارِ مُحاصَراً
بالنّورِ من كلِّ الجهاتِ ... سيُهزَمُ
طلعَ الهِلالُ مع الصّليبِ فلَمْ تَكُنْ
للّيلِ مَقدِرَةُ الظَّلامِ فَيُظلِمُ
ولقد يؤذَّنُ في القيامَةِ مثلما
في ساحَةِ الأقصى تُرتَّلُ "مَريَمُ"
وأنا بدينِ الحُبِّ دِنْتُ ففيَّ مِنْ
عشقِ المَسيحِ وهَدْيِ أحمَدَ مُسْلِمُ
عرّى الخَريفُ الأرضَ ، ما زيتونةٌ
خلَعَتْ عباءَتَها فغيظَ المُجرِمُ
نضِجَتْ ثمارُ الكبرياءِ فلم يَجُعْ
أحدٌ فسيفُكَ يا هَوانُ مُثلَّمُ
إنَّ الرّدى جندُ الّذين توحّدوا
ضدَّ الّّذينَ على الحياةِ تقسَّموا
عادَ الشّتاءُ فوجهُ كلِّ مدينةٍ
تحتَ الرّمادِ مدينةٌ تتبرعَمُ
ومَلامِحُ الشّهداءِ قولُ خُلودِهمْ
"لا تجزَعوا إنَّ الخسارةَ مَغنَمُ"
فتبسّمي ، موتُ العِدا أنْ ينظروا
مَنْ حاولوا إبكاءَهُ يتبسَّمُ
يا قدسُ يا رئةَ الصّباحِ
تنفّسَ المعنى وإنّي إذْ أحاولُهُ فَمُ
فأمامَ سحرِكِ ما البيانُ بسحرِهِ
لولا وجودُكِ فيهِ إلّا أعجَمُ
فتجاوزي عن كلِّ نقصٍ عذرُهُ
عن كلِّ نقصٍ أنَّ حُسنَكِ مُحكَمُ!
.

