" البوصلة " - قصة الأديبة الفلسطينية الأستاذة : وفاء عياشى بقاعى
القصة, feature 3:57 م
البوصلة - قصة الأديبة الفلسطينية الأستاذة : وفاء عياشى بقاعى ..
---------------------------------
---------------------------------
البوصلة - قصة الأديبة الفلسطينية الأستاذة
وفاء عياشى بقاعى
الوطن العربى الأسبوعية - القاهرة ..
وقف يستعيد ذاته المسروقة من تلك الارض البعيدة ... نظر في سراب البياض المنحى في زاوية الانكسار ، فانعكس ذاك الظل الخفي يردد صوتا تسمع صداه نائحات القبور .... تاه في التيه ، وأخذ عصاه واتكأ عليها وغادر ... انتعل حذاء الظلام وسار صوب المدى يجر فراغه المعزول .. كفراغ هاملت ... تباعدت خطوات الانا واكتوت في زقاق الانزياح عن بوصلة السماء .
سار متكئاً ينهل عذابات الطريق ، وصدى يوسف في البئر يكوي بريق النور في عينيّه . وضع كفيه على وجهه الصغير ... وبكى بعد ان اختزل المساء بحفنة تراب نثرها في عيون سيّدة الأشجار . أغمضت عينيّها كي ترى ما وراء الوراء ... وهنا .. كان للزمان أن يصرخ صرخته .. وللمكان أن يغادر مكانه .. وتتجه البوصلة نحو اللاءات ، ونحو إيقاع لجة البحر .
إنحدر الموج الأسود في عبائته السميكة ، ليتلف حول تلك الشجرة الباسقة فوق تلة تطلّ على سهوب انبتت عمرا من ورق .. تنهدت تسرق من صفير الريح انفاسا تعيد توازنها ، غاب كل ّ شيء في اللاشيء .
تراءت في البياض مريم ، والنخيل تهزّه اعاصير الوجع ، تشير في اصبعها لعذرية طفولة مسروقة عند أطراف ذاك المنعطف . نظر من خلف فضاءها، ليمدّ يده الفارغة ، سوى من شوكة تغرز باقات الزهور في يدها ... حملت غفوتها ، وكتبا مزقتها عواصف الانقراض ، لتعلن الشمس حدادها ، والنجوم تلبس أثواب الليل وتغادر السماء .
إبتلع ريقه الجاف ، وسار نحو الشاطىء يجر أقدامه برمل بللته عفونة الأيام ، وبدأ يبحث بين الذرات عن شعاع بوصلته ... تعثرت قدمه ، وكاد أن يسقط ، إذ بنور الله يضيء الروح سراجا في العُلا ... مدّ بصره ، ورأى سيّدة الأشجار تظلّل أغصانها وترفعه منازل الثمار ، تمسح وجه الظلام عن ليله، لتعيد للنهار بهاءه . انتشل رذاذ تبعثره ، وأخذ يُعِدُّ الخطى نحو كتاب الأغاني القديمة ، حيث تقف تلك الجميلة وبيدها آزار الحبق . قلّب صفحات الكتاب . خرجت شهرزاد من قلب شهريار ، وجلست بجواره تناغى باناملها حروف الوجد . اتكأ على وسادة ريش النعام ، وطار فوق الغمام يلملم رعشات قلب غادره ذات مساء . جدّلت شهرزاد ضفائر الحكاية على خاصرته . ألقى برأسه على صدرها ونام بقلب الف ليلة وليلى .


